15 , أغسطس 2026

القطيف اليوم

دكاكين كانت في زوايا سوق تاروت "5"

لم تكن الدكاكين والكوشكات والمقاهي وبعض البقالات التي كانت في سوق "جزيرة تاروت" مجرد أماكن لبيع الاحتياجات اليومية؛ بل كانت مجالس عامرة وملتقيات اجتماعية تجمع أبناء أحياء تاروت وهي: الديرة، الحوامي، الدشة، الوقف، أرض الجبل، الخارجية، فريق الأطرش وغيرها من الفرچان.

خليط من عباد الله تراهم كل مساء في سوق تاروت يلتقين في أكبر تجمع اقتصادي يقصده الناس في ذلك الزمن، يأتون البحارة وهم يحملون على رؤسهم وبأيديهم الأسماك الطازجة التي تشم رائحتها الطيبة من مسافة بعيدة لطراوتها، ويحضرون الطواشة يحملون اللؤلؤ الطبيعي للبيع والشراء فيه، وبعضهم يجر عربته مرتدياً ثوباً فضفاض وغترةً بيضاء عصبها على رأسه يمر بين الناس عله يرزق بتوصيل بضاعة ليعود إلى بيته مسروراً برزق بسيط.  

في موسم الصيف يكثر انتاج المزارع والبساتين التي تحيط بجزيرة تاروت من شمالها إلى جنوبها ومن شرقها إلى غربها، فتزدهر السوق بما تنتجه أرض تاروت، حيث ترى رجلاً يجلس وسط أصناف من مخارف الرطب، واضعاً أمامه ميزاناً قديماً وحوله رجال يسألون عن الثمن وهم يمسكون بحبات من الرطب ويفركونها بين أصابعهم ويتأملونها طويلاً لاتخاذ قرار الشراء من عدمه.

وفي سوق تاروت ترى بائعين الدجاج بعضهم يضع أمامه قفصاً، وبعضهم يمسك دجاجاته من أجنحتها، وبعضهم يربط أرجلها بحبل صغير حتى لا تهرب، وفي أطراف المكان ترى رجل يقف بجانب معزته، وهو يشد الحبل الذي في احدى رجليها كلما حاولت الابتعاد عنه، وهو داخل في مساومة طويلة مع آخرين ليصلوا إلى سعر يرضي الطرفين لإتمام البيعة، وفي زاوية من السوق يقف المزارعين لبيع ربطات الچت التي تتغذى عليها الحيوانات الموجودة في معظم البيوت.

وفي كل مساء وقبل أن يرتفع النهار يرتفع ضجيج أصوات الباعة والمشترين شيئاً فشيئاً داخل سوق تاروت، حيث تختلط أصوات الدجاج والرجال الذين ينادون على بضائعهم، بأصوات الحمير الواقفة على أطراف حمام تاروت، والتي كانت هي وسيلة تحميل وتنزيل ونقل البضائع من وإلى السوق في تلك الفترة الزمنية، قبل أن تدخل سيارات محدودة للخدمة في نقل البضائع من القطيف إلى سوق تاروت.

ومع اقتراب النهار من نهايته، يبدأ السوق في تغيير ملامحه، ويبدأ الناس بالانسحاب من السوق والباعة يجمعون بضائعهم، والدجاجات تعود إلى الأقفاص ومخارف الرطب ترتفع إلى أسطح القواري التي تجرها الحمير، والباعة الذين أمضوا ساعات في البيع يبدأون في تفقد جيوبهم، وكل واحد يحسب ما دخل وما خرج، وأما نحن في أيام الطفولة والصبا في ذلك الزمن الجميل فكنا نتعب من كثرة السباحة واللعب في حمام تاروت قبل العودة إلى بيوتنا.

اليوم وحين أستعيد الذكريات في سوق بلدتنا "جزيرة تاروت"، فأنا لا أبحث عن الأسعار التي كانت فيه، ولا عن الأشياء التي كانت تباع، ولا عن ما ينفقه الناس على مشترياتهم، لكني أبحث عن وجوه الذين رحلوا عنا دون رجعة، أبحث عن أصوات الذين كانوا يملؤون المكان بضحكاتهم بيّن الدكاكين، وعن الطرق الترابية التي كنا نمشي عليها وكانت ملابسنا تحمل غبارها.


error: المحتوي محمي